عبد الملك الجويني
314
نهاية المطلب في دراية المذهب
11189 - وإن تاب بعد الظفر ، ففي سقوط العقوبات [ مما ] ( 1 ) يختص بقطع الطريق وما لا يختص به قولان ، وأجرى الأصحاب هذين القولين في سائر الحدود كالقطع في السرقة ، وحد الشرب ، والزنا ، وقد ذكرنا هذا في كتاب الحدود . والذي نريده هاهنا أن تخصيص التوبة بما قبل الظفر وتقييدها به ، يكاد أن يكون نصّاً في أن التوبة بعد الظفر لا تؤثر ، ولكن من نَصَر قولَ قبول التوبة في الحدود كلها ، عارض هذا التقييد أوّلاً بجريان ذكر التوبة على أثر آية السرقة ؛ فإنه تعالى قال بعد آية السرقة : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ } [ المائدة : 39 ] فاقتضى هذا تأثيرَ التوبة في حد السرقة ، فلو قال قائل : ليس لسقوط الحد ذكرٌ في هذه الآية ، وإنما ذكر الله تعالى المغفرة ؟ قيل : لم يجر في التوبة قبل الظفر في آية المحاربة أيضاً ذكر الحدود وسقوطها ، ولكن ذكر المغفرة في الموضعين في العقوبات الثابتة لله تعالى ، ظاهرٌ في إسقاطها . 11190 - ومما تعرض له بعض المحققين أن الله تعالى ذكر توبة المحارب قبل الظفر ، ولم يقيده بالإصلاح ، فقال : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } وذكر التوبة بعد آية السرقة وقيدها بالإصلاح ، فقال تعالى : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ } [ المائدة : 39 ] فالتوبة المجردة قبل الظفر تُسقط الحدودَ على التفصيل المقدم من غير إصلاح الحال . وإذا قلنا بقبول التوبة ( 2 ) بعد الظفر ، فنفس إظهار التوبة لا يُسقط الحد حتى ينضم إليها إصلاح الحال ، وكذلك القول في سائر الحدود إذا قلنا : إنها تسقط بالتوبة . وهذا كلام حسن مستند إلى ظاهر القرآن ، وفيه طرفٌ من المعنى ، وهو أن التوبة قبل الظفر في غالب الأمر لا تصدر إلا عن إضمار ( 3 ) صحيح ، وإذا فرض إظهار التوبة
--> ( 1 ) في الأصل : ما . ( 2 ) في الأصل : " التوبة المجرّدة " ، والمثبت من ( ت 4 ) ، حيث أطلقت التوبة ولم تقيدها ( بالمجردة ) ، وهو الذي يقتضيه القياس . ( 3 ) ت 4 : " احتمال " .